مجمع البحوث الاسلامية
794
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ المطفّفين : 14 ، 15 . وأمّا الحجاب العقليّ فهو ذلك النّقص الّذي يخلق مع الإنسان في مبدأ حياته ، وأوّل نشأته ، بحيث يكون قليل التّمييز ضعيف الفكر لمثل هذا ، لا ينفعه تعليم المعلّمين ولا يرفعه تهذيب المهذّبين . ولكن هذا النّوع نادر أو قليل ، وهذا معنى قوله تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ الفتح : 46 . وأمّا الحجاب العلميّ فهو ما يغترّ به الإنسان من الشّهادات الدّراسيّة والمناصب العلميّة والإجازات الفنّيّة ، ومدح النّاس وثنائهم عليه ، والتّصدّر للفتوى ونحو ذلك ، فيظنّ أنّه قد كملت نفسه وفاق الأقران علمه . فهنالك لا تكاد تقبل نفسه علم العلماء ولا حكمة الحكماء ، وهؤلاء يقول اللّه فيهم : فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ المؤمن : 83 . فيا حسرة على من طبع الجهل على قلبه وختم الغرور على سمعه وبصره فعمي عن حقيقة نفسه ، فصار من الجاهلين الهالكين ، واللّه تعالى يقول : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها الأعراف : 146 ، فإذن أكبر مصيبة وأجلّ رزيّة تغتال النّفوس وتحصد الرّجال : الشّهادات الدّراسيّة من المعاهد العلميّة والمدارس النّظاميّة ، فهي حجاب بين العقول وارتقاء العلوم . وقد يغترّ المرء بعلم من العلوم كالنّحو والصّرف والمعاني والبيان والبديع وكالإنشاء والتّاريخ وكالفقه وكالطّبّ وكالهندسة ، فيشمخ أحدهم بما حواه من العلم ، فيكون في ذلك مصرع نفسه وذهاب أنسه . فأمّا الحجاب الدّينيّ فهو ما يعتور القلوب من العمى ، بالاغترار بمذهب من المذاهب الدّينيّة ، فيظنّ الجهول أنّ دين اللّه إنّما هو في هذا المذهب ، فيحصر عقله فيه تقليدا لأستاذ ضيّق العطن قليل الفطن ، فيقول : ما دمت أقرأ مذهب الشّافعيّة أو الحنفيّة أو الزّيديّة أو الشّيعة أو غيرهم فإنّي قد قضيت واجبي وأطعت خالقي . وما عرف المسكين أنّ ما قرأه إنّما هو بعض الدّين لا كلّه ، وأنّ أصل الدّين : ، الوقوف على جمال هذا العالم ونظامه ؛ إذ ذلك به زيادة التّوحيد وبه اليقين وبه شكر اللّه تعالى ، فلا شكر إلّا بعلم ، وأجلّ العلوم : معرفة هذه الدّنيا . وما دروس اللّغات جميعها من عربيّة وفروعها الاثني عشر ونحوها ، ومن فارسيّة وتركيّة وأورديّة وإنجليزيّة وألمانيّة ويونانيّة إلّا مقدّمات للعلوم . فعلوم اللّسان مقدّمات لعلوم الجنان ، وعلوم الجنان هي علوم نظام هذه الدّنيا من السّماوات والأرضين . وما دروس الفقه إلّا لنظام القضاء بين العباد لنظام هذه الدّنيا ، فمن جعل حياته وقفا عليه فقد باء بإثم عظيم ، إذا كان عنده استعداد للعلوم . فهذه كلّها حجب أسدلت على عقول طوائف من المسلمين ، منذ تسعة قرون فكان ما كان ، وهذا أوان إشراق شمس المعارف في بلاد الشّرق . ( 14 : 120 ) عزّة دروزة : [ ذكر آيات سورة الإسراء : 45 - 48 وأضاف : ] والآيتان الأوليان قد توهمان أنّهما تقرّران بأنّ اللّه عزّ وجلّ يحجب الكفّار الّذين لا يؤمنون بالآخرة وحسابها عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويغلق قلوبهم وآذانهم دون